المقريزي

119

المقفى الكبير

قال : بلى . قال : أو ما جعلتك في سمّاري ، وكلّهم من رؤوس العرب ؟ قال : بلى . قال : ألم أعطك مائة ألف درهم تفرّقها في أهل الحاجة ، ثمّ لم أسألك عن شيء منها ؟ قال : بلى . قال : فما أخرجك عليّ ؟ قال : بيعة كانت لابن الأشعث في عنقي . فغضب الحجّاج ، ثمّ قال : أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبل ؟ واللّه لأقتلنّك ! يا حرسيّ ، اضرب عنقه ! ويروى أنّ الحجّاج قال لسعيد لمّا أتاه : يا سعيد ، ألم أقدّم مكّة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال : بلى . قال : ثمّ قدمت الكوفة واليا فجدّدت البيعة ، فأخذت بيعتك ثانيا . قال : بلى . قال : فنكثت ببيعتين لأمير المؤمنين ، وتوفي بواحدة للحائك ابن الحائك ؟ واللّه لأقتلنّك ! قال : إنّي إذن لسعيد كما سمّتني أمّي ! فأمر به ، ولم يفصح بمر [ . . . ] ين « 1 » . فالتبس عقل الحجّاج عند ذلك وجعل يقول : « قيودنا ! قيودنا ! » ، فظنّوا أنّه يريد القيود ، فقطعوا رجلي سعيد من أنصاف ساقيه ، وأخذوا القيود . فكان الحجّاج إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه ويقول : « يا عدوّ اللّه ، فبم قتلتني ؟ » فيقول : « ما لي ولسعيد بن جبير ؟ ما لي ولسعيد بن جبير ؟ » يكرّرها . فلم يمهل إلّا قليلا حتّى مرض ومات لخمس بقين من شهر رمضان سنة خمس وتسعين ، وله من العمر أربع وخمسون - وقيل : ثلاث وخمسون - سنة ، فكانت ولايته العراق عشرين سنة . [ فصاحة الحجّاج ] قال قتيبة بن مسلم : خطبنا الحجّاج ، فذكر القبر حتّى بكى وأبكى . ثمّ قال : سمعت أمير المؤمنين عبد الملك يقول : سمعت مروان يقول في خطبته : خطبنا عثمان فقال في خطبته : ما نظر [ 330 أ ] رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى قبر أو ذكره إلّا بكى . وقد روى عدّة أحاديث عن أنس ، وابن عبّاس . وقال ابن عون : كنت إذا سمعت الحجّاج يقرأ عرفت أنّه طالما درس القرآن . وقال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيت أفصح من الحجّاج ومن الحسن ، وكان الحسن أفصح . [ بعض مكارمه ] وقال عبد الملك بن عمير : قال الحجّاج يوما : « من كان له بلاء فليقم ، فلنعطه على بلائه ! » فقام رجل وقال : أعطني على بلائي ! فقال : وما بلاؤك ؟ قال : قتلت الحسين . قال : كيف قتلته ؟ قال : دسرته بالرمح دسرا ، وهبرته بالرمح هبرا ، وما أشركت معي في قتله أحدا . قال : أما إنّك لن تجتمع أنت وهو في مكان واحد ، اخرج !

--> ( 1 ) بقيّة الكلمة انطمست في الهامش ، ولا ذكر لها عند الطبريّ 6 / 491 .